أخر الاخبار

رحلة على سفينة تتقاذفها الأمواج



 



كتب/ عبدالله آل قاسم


( تاربة_اليوم ) - كتابات حرة

السبت 17 يوليو 2021



شعوره شعور لاعبٍ له قاعدة جماهيرية كبيرة عشيّة ضياعه ضربة جزاء حاسمة كانت ستقود فريقه إلى منصة التتويج بالذهب. يزداد حزنه حين يدرك أنَّ ضياعه للضربة الفاصلة قد أسال مدامع الكثير وأدمى قلوب الكثير أيضا . شعوب بأكملها كانت تعقد عليه آمالا، سرعان ما بددتها رعونته، وربما سوء حظه ، وأحالتها سرابا. وضعته الكرة التي اعتقد أنه قادرٌ دائما على تطويعها في مأزق كبير . عبرها اكتسب هذا الألق ومن خلالها أيضا يحتسي كأس المرارة. لطالما ابتسمت له ، لكن شأنها شأن غيرها في هذه الدنيا .. لابد من انتصارات واخفاقات على امتداد رحلة الحياة. كم يحتاج من الوقت لينسى وإن نسي هو فهل سينساها له جمهوره العريض؟!  تنتابه أحيانا مشاعر أخرى شبيهة بمشاعر معلم في بداية مشواره ، يطالب التلاميذ بتغييره كونه لم يصل إلى مرحلة الكفاءة ، فلا رصيد من خبرة يشفع له ولا قدرٍ كافٍ من العلم يتزود به ، ولا إلمام بطرق التدريس يواجه به مطالب التلاميذ وهو ما يزال في أول الطريق ، ولا يعلم كم من الوقت يكفيه لإعادة ترميم ثقته بنفسه! مطبٌّ في أول الطريق سعى طوال رحلته التعليمية لتفاديه ، لكنه- كما يبدو- لا مناص منه، وبعض المطبّات تعيقك وبعضها تحشد قواك وتستنفر طاقاتك لتنطلق إلى ما هو أبعد. 

وأحيانا يشعر أنه مسؤول عن كل هذا الخراب الذي يحيل العالَم الجميل الذي يحتكم إلى المبادئ والقيم إلى عالم قفر تحكمه المصلحة وتغلب عليه الأنانية والتسلُّط. 

يجلس بعد هذا العمر وحيدا ، كالسيف جُرّد من غمده ، يحصي بكثير من الأسى ما جادت به الدنيا عليه وما حرمته منه، فقد كان يتقلب في كثير من النعم هي موضع حسد وغبطة للكثير لكن الأقدار حرمته من أشياء كثيرة، ولهذا يقبع وحيدا في هذا المكان بعد أن جرّدته من كل شئ. وليس من طبع الدنيا أن تعطي الفرد كل شئ ولو سعى إليه بكل ما في وسعه ، فهي إن أعطت المال بيدها اليُمنى ، أخذت الصحة بيدها اليسرى ، وإن أعطت الصحة عن طيب خاطر ، أخذت راحة البال بالقوة ، وإنْ قدَّمت السعادة على طبق من ذهب أخذت شيئا بالمقابل ، ولو أنها جادت على إنسان بكل شئ ، لما شعر أنَّ شيئا  ينقصه ،  ولما سعى ، وبالتالي لن يشعر بحلاوتها والإنسان بطبعه مَلول ، لا يقر ولا يستكين ولو كان يتقلب في النعيم فإنّه سيبحث عن نعيمٍ أفضل وربما قاده هذا البحث بدون إرادته إلى جحيم لم يكن في الحسبان.

ذات يوم و قبل حلول النهاية يجلس إنسانٌ جلسة انكسار يعيد فيها شريط أيامه... يا لها من أيام ، و يا له من وهم!

يمر من أمامه طيف الذكريات سريعا فيتوقف عند المحطات التالية:

- ذات انتفاشة، غرّته نفسه فأخذ مال الغير. وربما حدث ذلك في لحظة ضعف فسطا على مال رحم ، أو اغتصب مال ضعيف ، أو تورط في عملية نصب أو احتيال، وربما ألجأته صروف الحياة إلى الغش والفساد.

- حدث أن منع عطاءه عن شخص محتاج رغم قدرته على العطاء، لا يعلم كيف كبّل يده وقتها ، ربما حدث ذلك في لحظة اعتقد فيها أنَّ الناس تستغلّه ، أو أنَّ هذا الملتجئ إليه ليس من الصنف الذي يستحق المساعدة ، أو أنه من جماعة لا تحظى عنده بالرضا ، وربما غلبت عليه حينها سطوة الطبع.

- اقترف وابل من الكذبات أبيضها وأسودها..تسبّبت في كثير من الخراب. كيف لجأ إليها وكان في غِنى؟ لا يعلم بالتحديد ، ربما من باب المجاملة والسعي لنيل حظوة عند من هو أكبر رتبة ، وربما المنافسة وتجنب السقوط ، وقد يكون ناتج عن لؤم الطبع.

- كم من الدسائس والخديعة والغيبة والنميمة مشى بها بين الناس؟ هذا أيضا لم يتبين كيف حدث ، لكنه لا يحتاج إلى تفسير ، فهذه الأمور تُمارس انتقاما أو حقدا، أو منافسة ، أو نتيجة طبع متأصّل ، وربما ناتجة عن فراغ كبير حين لا يجد الفرد ما يشغل به وقته.

- هناك حقدٌ يعتمل في صدره، على من ينافسه ، أو يشك أنه يعاديه  . حقدٌ على كل محطة نجاح ليس هو فيها طرفا .  ما فتئ الحقد يكبر ويتضخم حتى قاده إلى الهاوية ، أحرقه وأحرق كل ما جمعه طوال تلك السنين.

- توجد أموالٌ كدّسها من مصادر مشبوهة لأولاده الذين يرغبون عن صحبته وهو في هذه الحال، سرعان ما أفنوها،  وفيهم من يتمنى حلول أجله، ليخلص منه تماما و يحصل على نصيبه من الحطام الذي تبقّى.


ما كان أقصرها من رحلة ، وألطفها لو لم يتسبب ببعض الخراب! 

شئ ما بداخل الكائن البشري يشتعل في فترة معينة من حياته يرافق فترة العنفوان  ثم ينطفئ مع فترة الذبول، شئٌ كالغيرة والحسد والطمع والأنانية والحقد وحب التسلّط والغرور وبعض اللؤم وكثيرٌ من حب الذات.. كلها يقع الإنسان فيها وبنسبٍ متفاوتة.


مسكينٌ هذا الإنسان..وسكينٌ في نفس الوقت، ظالمٌ ومظلوم، هادئ وذو صخب ، خليط من خير وشر ، مزيج من شحنات إيجابية وسلبية ، تتقلب أيامه بين أفراح وأتراح ، ومشاعره بين رضا وسخط، و مزاجه بين سرور وغضب ، يكرّس جُلّ وقته للدنيا التي لن يخرج منها إلا بقطعة قماش سرعان ما تبلى ، وسيرةٍ قد تدوم أو تتلاشى سريعا كحالات الوتس أب.



التعليقات

أحدث أقدم