أخر الاخبار

وداعاً_يا_ملاكنا_الوديع



 



كتب / أ. سعيد قوقح


( تاربة_اليوم ) - مقالات



لك أن تتصوّر شعور مُعلّم مكلوم حين يفقد أحد تلاميذه فجأة ؟! ذلك الشعور عشته بالأمس القريب حتى كاد يخنقني ، وكم تمنّيت لو أنّني في حلم مزعج .. أستفيق منه ، لأجد نفسي ممسكًا بدفتر التحضير ، نهاية الطابور الصباحي منادياً باسمه ، فإذا بذلك التلميذ يقول: (هأنذا حاضر يا أستاذ).. فيرقص فؤادي فرحًا وطرباً لرؤيته ! و أصرخ بملء فمي : " تعال يا عزيزي ! تعال يا بني !.. فأذهب إليه مسرعاً و أضمه إلى صدري !

لا زلت مصدوماً مفجوعاً حتى اللحظة بذلك النبأ الصادم – وإن كان أبواه وأقاربه أشد صدمة – انحبست دموعي حين سماعي للنبأ ، لقد قابلته في صباح ذلك اليوم المشؤوم وهو يمتطي دراجته ذاهباً لإجراء اختبار القبول في سيئون ، فسلم علي ودعوت له بالتوفيق ، ترى هل أصدق ذلك النبأ أم أكذبه ؟! لم يطب لي طعام ولا شراب ولا منام ، و تذكرت حينها قول الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: (( إنك ميت وإنهم ميتون)) ، نعم إنه القضاء والقدر ، ولا رادّ لمشيئة الله!! 

جعفر باجري  تلميذ مهذب يحبّ الحياة.. لطيف ومرح يحبّه أترابه ، وأساتذته ، يضحك ، يبتسم ، يمازح ، ولكنّ الموت لا يمازح أبداً .. خطفه الموت بالأمس فجأة دون سابق إنذار !! حرمه الموت من أحبّائه !!

 فلماذا خطفته - يا موت - من أحضان أمّه المكلومة وأبيه المجاهد في أبنائه؟! لماذا حرمت والده من أن يفتخر به يوماً ؟! فربّما أصبح – ذات يـوم – عالماً أو مخترعًا أو مهندسًا أو طبيبًا أو أيّ شيء يحبّه !

كانت لديه طموحات كبيرة وأهداف يريد تحقيقها رغم قسوة الظروف ومشاغبات الحياة الكثيرة .. لقد كانت نظراته البريئة – مذ عرفته – تسألني كلّ صباح: أريد لي مقعدًا في هذه الحياة ومكانًا تحت الشمس يا أستاذ !!كان يريد أن يحقّق أهدافه ، يستيقظ صباحاً يذهب إلى المدرسة.. يصل مبكراً إلا يوماً واحداً – لازلت أذكره – وصل متأخّرا عن طابور الصباح فأنبته وكنت قاسياً معه في رفق ..

و هأنذا أسمع (جعفر) يقول لي: " أستاذي لا تحزن ! فأنا في مكان جميل جدّا يفوق الخيال لا أحتاج كرسيًا و لا طاولة كالعادة .. ولا أحتاج دراجة للوصول مبكراً ، فلقد وصلت مبكّرا جدًا.. هذه المرة لم أصل متأخّرا!!"

ويقول لأحبائه: لقد تركتكم على الأرض ولكنّني معكم دائماً في قلوبكم ، في عقولكم، في وجدانكم..

نعم يا ( جعفر ) لقد رحلت وتركت في قلبي حسرة وألمًا لا أعرف كيف سأحتمله ، و كيف سأواجه أصدقاءك غدًا ، و كيف ستكون المدرسة في غيابك؟؟... آآآه ثم آآآه .. ؟!

 رحلت – يا بني – و علّمتنا درساً بأنّ الحياة رحلة قصيرة علينا أن نعيشها بإيمان وحبّ ووفاء..

رحلت فجأة وكأنّك تقول لنا: تواضعوا ولا تتكبّروا.. أحبّوا بعضكم وسامحوا من أساء إليكم..

يا أم جعفر.. يا أبا جعفر.. يا إخوة جعفر ، يا أصدقاء جعفر وأحبّته... جعفر هو ابننا وشقيقنا وصديقنا وحبيبنا .. ونعدكم بأنّ ذكره سيبقى مؤبّدا..

 عزيزي جعفر .. أنت الآن شمعة مضيئة في قلب كلّ واحد منّا..لنراك دوماً من خلالها نورا يطرق الباب علينا كلّما أظلمت الدّنيا..أنت الآن وردة مزروعة في أعماقنا ..ليذكّرنا عبيرها دوماً بكل لحظة عشناها معك..أنت الآن ملاك في السّماء..  لتصلّي دائماً من أجلنا .. نَمْ بسلام وهدوء ودعك من عالمنا..

رحمك الله .. وغفر الله لك وأسكنك فسيح جناته ..

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك لمحزونون ..

ولا نقول إلا ما يرضي الله ، فلله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى .. , و (إنا لله وإنا إليه راجعون)



التعليقات

أحدث أقدم