أخر الاخبار

خارج الإطار



 


كتب / عبدالله ال قاسم


( تاربة_اليوم ) - كتابات واراء

3 اكتوبر 2021



رقصت الورقة وهي تفارق أصلها الباذخ في المسافة بين الغصن والأرض، لكنها كانت  رقصة لا معنى لها كتلك التي يؤديها الطائر في المسافة الزمنية بين قطع عنقه ولفظ آخر أنفاسه!

هل كان عليها أن تظل لصيقة الغصن وتتمرد على الفصول لتكون وفيّة في نظر الغصن، خائنة في نظر الوريقات الأخرى على الغصن ذاته؟!

قطعا لا،  فهي كغيرها يجب أن ترضخ أولا وأخيرا لمتغيرات الحياة  ، وما كان لها أن تحظى بعمر إضافي على الغصن والخيار ليس لها.  إنّ الحياة عبارة عن جزئيات بسيطة متجددة ، هذا التجدد يبث مزيدا من الحيوية ويبعث كثيرا من النشاط بعيدا عن الروتين الرتيب. لكل شئ في الحياة عمر محدد وهو مرحلة تنقضي لتبدأ أخرى في حلقة تدور باستمرار حول محور الحياة الثابت.

إننا وإن كنا ندرك أنَّ الحياة متغيرة نغفل عن حقيقة أنَّ القلوب التي تنبض بالحياة أكثر عرضة للتغيير ، فالمشاعر بإمكانها أن تتبدّل في أي لحظة ، وحتى القناعات تتحوّل باستمرار ولهذا ما كان لنا أن نعجب لشيء إذ لا شيء في الحياة يبدو مفاجئا  مع يقيننا أنَّ الحديد أيضا رغم كونه جمادا هو الآخر تؤثر فيه الظروف المناخية فيصدأ. 

من يدري؟! قد تصادف الورقة المنعتقة من الغصن بيئة ملائمة فتكتب لها حياة جديدة لا تكون فيها فرعا في أصل ، ولا  يربطها قيدٌ بغصن ، بل تنبت لها في الأرض جذور وفي السماء فروع وغصون و بقوامٍ ممشوق تشق طريقها إلى فضاء رحب ، تتمايل مع الريح بمرونة وقد كانت مجرد ورقة تتشبث بالغصن من الريح كي لا يقتلعها، باتت تحط على أغصانها الطيور وتبني أعشاشها، وتمنح ظلها وثمرها كل عابر سبيل دون أن تنتظر شكرا أو جزاءا من أحد! 

لقد أضحت بجذورها الضاربة وفروعها القوية محل ثقة واطمئنان الطيور ، إذ تترك العصافير صغارها بطمأنينة كل صباح بمعيّتها وتذهب في جمع الرزق ،  كما أنها أصبحت بأوراقها الكثيفة مأوى لكل من لفحهم هجير النهار ، وبثمارها الشهية مطعم كل من تقطّعت به السبل.

لقد أصبحت كيانا قائما بذاته ،  وقد كانت فيما قبل مجرد ورقة لا يأبه لها مخلوق، لقد جعل منها هذا التحوّل الكبير - على مجازفته - محط ثقة واهتمام ، وهذا ما يبحث عنه الكثير ولا يحظون به.

إنّنا عن جهل نقاوم أي تغيير تفرضه علينا متغيرات الحياة أو صروف الدهر،  ولا نعلم أنَّنا من خلاله قد نحظى بحياة مختلفة تماما عن التي ألفناها ، حياةٌ مزهرة تبدأ ورقة  وتنتهي شجرة مثمرة. حياةٌ قد نكتشف بعدئذ أننا هنا فقط نكون أحياء و بلا قيود نحلق في فضاءات رحبة ، حينها يصبح لزاما علينا أن نشكر الظروف التي انتزعتنا من  براثن الروتين الرتيب. 

 اعتقدنا جزافا أنَّ الحياة بانتهاء مرحلة تغلق أبوابها أمامنا ، فإذا بها تتفتح قبالنا كوردة ربيع أغراها هطول الندى بجدوى الانفتاح أكثر للحياة.



التعليقات

أحدث أقدم