أخر الاخبار

أكرموهم قبل أن تدفنوهم




 


( تاربة_اليوم ) - مقالات

 مقال لـ / صالح عواض

الاربعاء 10 نوفمبر 2021


ليست هي المرة الأولى التى أراهم وفي أوقات متأخرة من الليل بسيارتهم ومعداتهم الغريبة العجيبة وخططهم وابتكاراتهم التقليدية المذهلة وهم يعملون بهمس ويجرون خبطهم ويحملون معهم أكياسهم السريّة التي يدفعك الفضول لمعرفة ما بداخلها وسط ظلام دامس لا يدلك على الموقع إلا سيارتهم التي تغمزك من بعيد بالإشارات الصفراء حتى إذا وصلت إلى الموقع؛ لم ترَ فيه إلا معداتهم فقط وقد اختفى بعضهم في حفر الموت .. يدفعك الفضول للتوقف بحثاً عن الأشخاص  وعمّا يفعلون. فجأة يصعد شخص من الحفرة وعلى رأسه كشاف صغير يستنير به في الأسفل وإذا به ينادي الآخر في الحفرة المقابلة . توقف الكثير من المارة والفضوليون لمعرفة ما يجري في المكان تحمل البعض منهم المشهد وآخرين لم يتحملوا .. 

شخصياً تابعت المشهد حتى النهاية وخرجت بالحصيلة التالية :

إنهم فريق المجاري ـ الجنود المجهولين ـ ليلا ونهاراً طاقم وحدة الصيانة والتنظيف لمجاري مدينة تريم القديمة التابع لمكتب الأشغال بتريم وهم في مهمة تعد من أصعب المهام التي يقومون بها لتصفية خطوط التصريف التي بدأت بالتضيّق بسبب كثرة الترسبات عليها وازدياد كمية التصريف وبالتالي لم تعد تستوعب كمية المياة المتدفقة فيها لهذا المشروع الحيوي الذي أنشئ قبل قرابة ثلاثين عاماً؛ لجزء بسيط من المدينة واليوم أصبح يستوعب أضعاف ما أعدّ له وهو يعمل بشكل جيد بفضل هولاء الجنود ومن معهم من الخيّرين ولكن للأسف لم نشاهد ما يؤمّنهم ويحميهم من المخاطر المصاحبة لهذا العمل؛ لعل أهمها عدم وجود وسائل السلامة ( السيفتي) من الحواجز والإشارات المرورية العاكسة لحمايتهم من حركة السيارات والمركبات كذلك وسائل الوقاية الصحية لعل أهمها الملابس الواقية والجزمات لحماية أقدامهم من المواد الخطرة والحادة في الأحواض وكشافات الإنارة الكافية ، كما أنهم بحاجة إلى سيارة مرافقة لتجميع مخلفات التصفية بدلاً من تركها على جوانب الطريق. 

 تبادلت الحديث معهم وسألتهم عن درجاتهم الوظيفية أكدوا لي أنهم غير موظفين مثل غيرهم ممن سبقوهم من عمال النظافة والمجاري فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، لتنتهي رواتبهم البسيطة بانقضاء أجلهم ، ولا تأمين صحي ولا علاوة خطورة عمل؛ ناهيك عن أن معظم أعيادهم يقضونها في هذه الخدمة .

سألت عن أجورهم اليومية التعاقدية فإذا هي لا تتجاوز ستين ألف ريال يمني مثل غيرهم من المتعاقدين في المكاتب الفارهة والمكيّفة والمبخٌرة والبدلات المحترمة .

فهولاء ثروة بشرية نادرة لاتعوض ولا تقدر بثمن غير أنّ  الجهات المعنية لم تنظر إليهم بعين الشفقة والرحمة وتكرمهم بخانات وظيفية لتأمين حياة كريمة وآمنة لهم اسوة بالموظفين الآخرين كما أنها لم تمنحهم من الامتيازات ما يتناسب مع عملهم وخطورته الصحية . 

فمتى سنشعر بعظمة العمل الذي يقومون به؟ ومتى سيكون لمثل هؤلاء مكانة تشجعهم على الاستمرار في هذه الخدمة العظيمة؟ أم أننا ننتظر إلى أن يلحق بعضهم بعضا ثم نتفنن في عبارات الرثاء والنعي . فأكرموهم قبل أن تدفنوهم .








comments

أحدث أقدم