أخر الاخبار

حضرموت: صيادو الأسماك.. كفاح مستمر وتحديات متصاعدة




 



( تاربة_اليوم ) نقلا عن / سوث24| عبدالله الشادلي  


أثّرت  انعكاسات الأزمة السياسية والاقتصادية التي يمر بها اليمن على حياة المواطنين في محافظات الجنوب، ولم تكن محافظة حضرموت الجنوبية الغنية بالنفط والثروة السمكية بمنأى عن تبعات الأزمة التي ألقت بضلالها على النشاط التجاري والملاحي، لا سيَّما بعد ارتفاع أسعار المحروقات في الآونة الأخيرة، الذي شكل تحديا كبيرا أمام الصيادين المحليين. 


ولم يعد في استطاعة بعض المواطنين من ذوي الدخل المحدود في حضرموت تأمين ثلاث وجبات في اليوم لأسرهم، في ظل تأخر صرف المرتبات وتدنيها وعدم مواكبتها لمتغيرات الحياة، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد اليومي نحو 1.90 دولار. [1]



صياد أسماك من أبناء المكلا :


وبالتزامن مع موجة ارتفاع أسعار المحروقات التي أثّرت بشكل مباشر على أجور النقل وأسعار السلع، شهدت الأسماك - التي تعد وجبة رئيسية لأهالي حضرموت - ارتفاعا جديداً أدى إلى عزوف بعض الصيادين عن العمل والاتجاه نحو مهن أخرى تجنبهم خسائر الرحلات البحرية، واستغناء المواطنين عن شراء الأسماك واستبدالها بالخضار. 


ويعتبر الصيادون أنَّ المكاسب التي يجنونها لا تغطي الخسائر في الغالب، وأنَّ باعة الأسماك يجنون أرباحاً أكثر، في حين أنَّهم لا يخسرون شيئا ويبالغون في فرض أسعارهم. 


ويقول صبري بن قرمان، وهو صياد محلي "نخسر مبالغ فوق طاقاتنا في سبيل رحلة تتجاوز 17 ميلا بحريا، ومع ذلك نعود بلا مكاسب أحيانا"، مُبينا أن الصياد هو من يتحمل أعباء هذه الخسائر التي قد تستمر لأشهر. 


ويضيف في حديث مع «سوث24» "بعد ارتفاع أسعار المحروقات أصبح الصيد مجازفة دفع بالبعض منا إلى توقف النشاط بشكل كلي"، مُشيراً إلى أن كثيرا من الصيادين قد اعتزلوا المهنة.


ويعتقد بن قرمان أن عطاء بحر المكلا تراجع خلال السنوات الأخيرة، مُرجحا أن ذلك بسبب الصيد العبثي من قبل السفن الكبيرة التي كانت تجرف الأسماك والمراعي؛ بسبب غياب الرقابة.


لكن مستشار وزير الزراعة والري والثروة السمكية، نادر عبدالرحيم باوزير يؤكد أن "بحر المكلا لم يتراجع عطاءه، إلا أن مُطاردة بعض أنواع الأسماك تكون مرهقة بسبب سرعة حركتها وتتطلب كميات كبيرة من المحروقات"، مبيناً أن كل ذلك يدفع الصياد للعودة محملا بالخسائر وأقل كمية ممكنة من الأسماك. 


ويضيف باوزير  أنّ "الأسماك تهاجر من منطقة إلى أخرى؛ بحثاً عن أماكن ذات برودة أو حرارة مناسبة وقد تكون تلك المناطق بعيدة عن الصياد، وكل هذه العوامل تؤثر على عملية الاصطياد".


وفي الوقت الذي اتجه فيه العالم الى تطوير الاستزراع السمكي لتخفيف الضغط على المصائد الطبيعية، قال رئيس هيئة المصائد السمكية بالبحر العربي المهندس يسلم بابلغوم إن "هناك انخفاضا ملحوظا في الانتاجية السمكية على مستوى العالم"، معللا ذلك بسبب ارتفاع عدد قوارب الصيد وعدم التزامها باللوائح المنظمة للعمل.


ويقول بابلغوم : "هناك ارتفاع غير منطقي في مزاولة مهنة الصيد، إذ يوجد في حضرموت نحو 22 ألف صياد، وفي المهرة نحو 7 آلاف، في شبوة ما يقارب 3 الاف، وكذلك الحال في سقطرى".


ويقول فؤاد معنوز، وهو سائق سيارة، إنّ "بعض الأنواع من الأسماك مثل «التباني» غير مفضلة لدى المواطنين المحليين، ويتم تصديرها من المكلا إلى مصر واليابان"، موضحا أنّ تصدير الأنواع الأخرى، في حين أن السوق المحلي في حالة عدم اكتفاء، من شأنه أن يسهم في ارتفاع الأسعار وعدم توفرها بالشكل الكافي.



سوق الأسماك بمدينة المكلا بحضرموت :


وتبلغ أسعار بعض الأسماك الكبيرة التي تزن قرابة 70 كيلو نحو 200 ألف ريال يمني، تزيد وتنقص بحسب المزاد المحلي، بكلفة ألفين و850 ريالا للكيلو الواحد على البائع، بينما يوفره للزبائن بما يزيد عن 5 آلاف ريال.


ويقول أحمد حمدة، مسؤول مكتب التعاونية بمنطقة الشرج بالمكلا "لا نستطيع الزام الباعة بسعر محدد، والجشع عامل مهم في ارتفاع أسعار الأسماك"، مضيفا أن "الباعة يتعذرون بكلفة المواد التي يستخدمونها لحفظ الأسماك لكي يرفعون الأسعار"، بينما هي في الأصل لا تستدعي كل هذه المغالاة.


ويرى مواطنون أن أسعار الأسماك أصبحت تحتاج إلى اهتمام وتدخل من قبل السلطات المحلية لتخفيف العبء عليهم، التي لجأت إلى الاتجاه نحو نقاط البيع المدعوم «المفارش».


ويقول سعيد باجابر، 43 عاما "لن يستطيع ميسورو الحال شراء الأسماك من الباعة غير المدعومين، لكن المفارش المدعوة خففت من العبء قليلا".


ويقول صالح الشعولي "لدينا أسر وأطفال ومدارس والتزامات، وأمامنا خياران: إما تقديم متطلبات الحياة وتأخير متطلبات الأطفال ومدارسهم أو العكس فقط".


نقاط بيع الأسماك المدعومة 


استحدثت السلطة المحلية بحضرموت نقطة لبيع الأسماك في السوق المركزي بالمكلا بسعر مدعوم، بنحو 3200 ريال.


ويقول باوزير لـ«سوث24» إن "الفكرة تعتبر من الحلول العاجلة لكنها ليست طويلة الأجل"، مشيرا إلى أنه كان لها أثر إيجابي في اجبار مسوقي الأسماك التابع للقطاع الخاص بتخفيض الأسعار وضمان الاستمرارية.


ويرى باوزير بضرورة إلزام السلطة المحلية الجمعيات السمكية، لاستحداث نقاط جديدة، وأن يكون هناك شراكة بين السلطة ووزارة الأسماك متمثلة في هيئات المصائد السمكية ويكون دورها تسويق الأسماك الطازجة، وخزنها عند الوفرة وتسويقها عند الندرة. 


ويعتقد باوزير أنّ ارتفاع أسعار الوقود وعدم الاتجاه نحو استخدام الغاز، وإغلاق مساحات كبيرة من المصائد بسبب دواعٍ امنية "قيد حركة الصياد". 


وفي الوقت الذي لايزال الصياد المحلي يستخدم وسائل التكنولوجيا التقليدية، يقول باوزير إن "ذلك لا يخدم الصياد بالشكل المطلوب ويزيد الخسائر". 


ويقول بابلغوم لـ«سوث24» إن "الأعاصير والمتغيرات المناخية البحرية المتكررة أثرت على إنتاجية الأسماك في معظم الدول ونحن جزء منها". ويعتقد أنّ المشكلة الحقيقة التي تنذر بالخطر هي "عدم معرفتهم بمقدور المخزون السمكي"، لافتاً إلى أنه بناءً على ذلك توضع استراتيجيات الاصياد وتحدد الكمية المسموح اصطيادها. 


ويشير بابلغوم إلى أنّ "الأبحاث السمكية غائبة". وأرجع ذلك لعدم وجود اعتمادات او موازنات تشغيلية  لهيئة المصائد السمكية أسوة بباقي الهيئات.



كوارث بيئية  :


وإلى جانب هذه التحديات، سبق وسببت الباخرة النفطية «شامبيون1»، كارثة بيئية لساحل المكلا بحضرموت في العام 2013، استمرت آثارها لفترة طويلة وأدت إلى هجرة بعض الأسماك واختناق الشعاب المرجانية. 


ويقول باوزير إن "المواد النفطية التي تسربت من السفينة حينها، شكلت ترسبات صلبة على سطح البحر"، مشيرا إلى أن الشعاب المرجانية ومراعي الأسماك تتنفس عبر الضوء.


وكشفت مصادر في ميناء المكلا لـ«سوث24» أن شامبيون1، لديها أكثر من 38 مخالفة وقد تم إخطار الجهات المختصة بذلك، ووجهت بإيقاف رحلتها، غير أنّ وساطة السماح لها بالإبحار، كانت أقوى. 


وتقول المصادر إنّ "السفينة الجانحة في المكلا لا تزال تحتوي على زيوت ومواد نفطية"، محذرة من استمرار بقاء السفينة بالرغم من مطالبات المواطنين بإبعادها بعد العام 2013.



السفينة "شامبيون 1" الجانحة في ميناء المكلا (سوث24، عبد الله الشادلي) 


واضافت أنّ "سبب بقاء السفينة يعود لخشية الجهات المعنية من تهرب التاجر عن دفع الغرامات"، مؤكدة أنّ الجهات المعنية متواطئة مع التاجر، ولم ترفع عليه أي قضية حتى الآن. 


ورغم هذه المخاطر، رأى مستشار وزير الثروة السمكية، باوزير بأن "لا خوف على بحر المكلا من التلوث"، مضيفا أنّ ما يعرف محليا بـ«موسم البلدة» يعمل على تنظيف طبيعي للشعاب المرجانية من زيوت البواخر والمخلفات.


القرصنة البحرية  


اختفت عمليات القرصنة البحرية خلال السنوات الأخيرة ولم يرصد ميناء المكلا أي حالات نهب أو تقطع أو ابتزاز في الحدود اليمنية بشكل عام خلال السنوات الأخيرة.


ويقول فؤاد تيسير الرباكي، نائب رئيس مجلس مؤسسة موانئ البحر العربي لـ «سوث24» إنها "تفشت في المياه الإقليمية بعد العام 2005 وأغلبها كانت على حدود الصومال". لكنه  اعتبر انّ المعاناة تكمن في "صغر حجم الميناء والأرصفة، ومع ذلك نقبل بعض البواخر التي هي أكبر من الرصيف رقم (1) الذي يبلغ طوله 177 مترا وبحمولة أقل من 30 ألف طن وغاطس لا يتعدى 9 مترات"، لافتا إلى وجود بواخر كبيرة وعملاقة تشكّل صعوبة كبيرة على عمل الميناء.


وعن تراجع نشاط الميناء، أكد الرباكي أنّ "النشاط لم يتغير"، وقال إنّ "ميناء المكلا «الصغير» استطاع أن يغذّي اليمن خلال الأعوام 2015 و2016 و2017".


ويعتبر ميناء بروم غرب المكلا، ميناء مستقبليا وسيشكل نقلة نوعية في الملاحة البحرية بحضرموت، بفضل موقعه الاستراتيجي. لذا يعتقد الرباكي أنذ من شأن تشغيل الموانئ الأخرى، كميناء قنا بمحافظة شبوة  سيشكّل "ضربة" لحضرموت إذا لم يتم الاهتمام بموانئ المحافظة وتطويرها.


قوانين دولية غير موقعة 


وفي خضم التهديدات التي تشكلّها عمليات التلويث البحري للسفن الأجنبية وكذلك ممارسة عملية "الصيد الجائر"، يقول القبطان يسلم مبارك بوعمرو مدير الهيئة العامة للشؤون البحرية لـ«سوث24» "مشكلتنا تمكن في أن اليمن غير موقع على معظم القوانين الدولية التي تعطي لنا بعض الصلاحيات، مثل: قانون التلوث البحري".


وبطبيعة الحال، فإنَّ ميناء المكلا يمتلك صلاحيات إقرار بعض القوانين المحلية؛ إلا أنها غير ممكنة في ظل غياب مجلس النواب اليمني، ويضيف بو عمرو أن "اصدار القوانين سيحل محل بعض القوانين الدولية".


ومنذ اندلاع الحرب في العام 2015، غيرت تداعياتها حياة المواطنين في شمال وجنوب اليمن، ومع الحصار الاقتصادي - غير المباشر - الذي تستهدف به جماعة الحوثي محافظات الجنوب، تعمقت الأزمة وساءت أوضاع المواطنين في تلك المناطق جراء تدهور العملة؛ مسببة ارتفاعا في مختلف نواحي الحياة. 


 الخبر من مصدره الرئيسي



comments

أحدث أقدم