أخر الاخبار

يومٌ في أوروبا الجديدة




 



( تاربة_اليوم ) - كتابات واراء


كتب / عبدالله ال قاسم

الخميس 14 ابريل 2022



استيقظت مبكرًا على غير العادة أو بالأصحّ نهضت من فراشي لأني لم أكن قد نمت في الأصل، فمنذ فترة اضطربت مواعيد نومي بشكل عجيب، لم أعد أتذكّر متى كانت المرة الأخيرة   التي نمت فيها بشكل طبيعي كل ما أستطيع تذكّره الآن أنّ الفترة الأخيرة لم تكن جيدة، وهذا ما جعلني أقرر إشغال نفسي بأعمال لأهرب بها من مشاكلي ومشاكل البلد ، باختصار أردت أن أشعر أنني لا أعيش في اليمن السعيد ، بل في أوروبا الجديدة !

حملت حقيبتي ومضيت ، لم يكن موعد اليوم الدراسي قد حان ، لكن ريثما يحين موعد الحصة الأولى سأعرّج على الأستاد الرياضي لأشاهد مباراة في دوري كرة القدم المحلي! يا لها من فكرة! هل هناك أجمل من أن تبدأ يومك بمشاهدة مباراة كرة قدم!! خطرت لي فكرة وأنا أتابع ، ليست مباراة كرة القدم إلا صورة مصغرة للحياة، نركض ، نتنافس، نتصارع، نحاول الفوز بأي وسيلة بجهدنا أو بأخطاء الخصم وربما بمساعدة من هم حولنا لكن حين تنطلق صافرة النهاية نواسي خصمنا المهزوم ، وننسى ما حصل ،  لماذا لا يحدث هذا في الحياة! لماذا لا نواسي بعضنا حين ننتصر ، لماذا لا نعتذر ، ما الذي يمنعنا أن نكفكف دموعٍ تسببنا في جريانها في معترك الحياة ونقول بكل شجاعة...لم تكن سوى مجرد لعبة!

في الطريق مرورا إلى الملعب ، لمحت العم " زكي" يستحثّ دراجته النارية التي جاوزت عمرها الإفتراضي بكثير ، بوزنه الهائل وضآلتها لا تملك إلا أن تتعاطف معها وهي تصدر أزيزًا موجعًا، يسابق بها الزمن و غيره من الواقفين في طابور "البترول" الذي يقف على مساحة عشرات الكيلومترات، العم "زكي" و دراجته وكلنا دون استثناء ضحايا ، حاولت أن أطرد المشهد من أمامي كي لا يفسد تفاصيل ما تبقى من أحداث يومٍ أريد أن أعيش به رفاهية أوروبا الجديدة!

في المدرسة لا أعلم كيف مر الوقت، يبدو أنه تعذّر وصول عدد كبير من الطلاب والمعلمين بسبب أزمة المشتقات وكان يوما دراسيا مفتوحا، جلست في مكتبنا المتهالك وحاولت أن أكتب قصيدة عتاب ، محاولات كثيرة لم ترى النور ، في الأخير وجدت نفسي أسبح وسط ركام أوراقٍ مهملة ، حدجني عامل النظافة بنظرة تذمر سرعان ما تفطنّت لمغزاها، هو أكثر من يعمل وأقل من يحصد ، لكنه مثابر على عمله دون سخط. قبل خروجي من المدرسة ، تذكّرت أنّ  عامل المقصف لم يقدّم  وجبته الخفيفة المعتادة بسبب أزمة الغاز! لا بأس! مستحيل أن نتحول بين عشية وضحاها إلى أوروبا،  ربما نحتاج الكثير من  الوقت والصبر والمثابرة.

داهمني نعاس مفاجأ فاستسلمت له دون مقاومة، لكن ما هي إلا دقائق حتى وجدت نفسي أسبح في بركة عرق ، تيقّنت أنّ  الكهرباء انقطعت للمرة الثانية، تذكّرت أنه يوم الثلاثاء، وعليّ أن أحضر محاضرة ، ليس هناك سبب يجعلني أحضر وأنا على هذا القدر من الإجهاد إلا ما ذكرته سابقا وهو أن أشغل نفسي لأنسى مشاكلي أولًا، ومشاكل بلدي ثانيا. كانت حالة التقشف أبرز ما يُرى في قاعة المحاضرة ، فقد اقتصرت ضيافة الحاضرين على قَنَانِيّ الماء بسبب تدهور العملة وارتفاع الأسعار.

بعد المحاضرة استغربت أن منبه جوالي لم يرن منذ الصباح ، تناولته على عجل محاولا الإتصال بشبكة الإنترنت لكن كانت الشبكة مقطوعة فقررت أن لا أبقى دون ما أنشغل به، ارتديت لباسي الرياضي وانطلقت إلى الملعب.

يومٌ شاق بغرض الهروب من مشاكلنا ، لكنه هروب عبثي ، فالمشاكل جزء ملتصق بنا، ولا مجال للهرب منها إلا بمواجهتها وحلّها!



comments

أحدث أقدم