أخر الاخبار

تباريح




 



( تاربة_اليوم ) - كتابات واراء


كتب / عبدالله ال قاسم

الاثنين 11 ابريل 2022



نبذني وطني بِحُجّة أنه يريد أن يكون مجرد جغرافيا دون بشر ، ولأنني أحبه وأحترم رغبته رميت حربتي التي كنت أذود بها عنه وامتشقت عصا الترحال. قبلت أن أعيش على تخومه دون أن أنتمي إليه أو يشعر بي شريطة أن يبقى كما وعد، لكن مَن كنت أحسبه وطنا خالف طبعه الذي أظهره لي حين قرر أن يكون مجرد أرضٍ دون سُكّان وارتمى في حضن غريبٍ محتل لا أعلم كيف استحوذ عليه.

كغيمة داهمت سماء القرية ذات قحط، أشعلت في الناس العطاش اللهفة، ثم يممت وجهها صوب المحيط ، وهناك سكبت مزنها مدرارا حيث لا احتياج ولا رغبة ولا اشتياق ولا لهفة ولا عطش!

في أحايين كثيرة  ولتدبير لا نعلمه لا توهب الأشياء لمستحقيها ، ولا يعطى الأمر لمن هو أهلٌ له، فقد تجد جائعا ينام  متضورا بينما تشق الموائد الدسمة طريقها إلى المتخمين أصحاب الحِمية، وللأسف تُرمى.  وتجد من ينام في العراء بجانب قصر منيف يسكنه عجوز يعاني الوِحدة، والأمثلة كثيرة لكن ما لفت نظري أكثر هو طالبٌ مجتهدٌ متحسّرٌ لأن أباه لا يلتفت إليه  ولا يوليه اهتماما ولا يقدّر جهده ، وفي المقابل أبٌ يقتله الأسى على أداء ولده ومستواه العلمي المتدني ورغبته الباهتة في التحصيل رغم تكاليف المدرسة الخاصة ، والمعلمين المتعاقبين على تدريسه في البيت والإمكانات المسخّرة والتضحيات الجسيمة.

هو الدهر إذَن بصروفه و الحياة بتقلباتها والبشر بتركيبتهم وتناقضاتهم العجيبة! 

فبين مَن ينتظر الكلمة كيفما كانت ، ومَن ننتظره لنكلمه بتكلّف، مَن يقبل كلماتنا  على فظاظتها وغلظتها وعلّاتها ومع ذلك نضنّ بها عليه ومَن نتكلف من أجله في زخرفتها وتقديمها في علب هدايا ولا يُلقي لها بالا، بين مَن نبالغ في إذلاله وهو يقدسنا ومن يبالغ في استرخاصنا و نعلي من شأنه، بين مَن نتلذذ  بِصَدٌه وهو في أمسّ الحاجة ضنّا بما لدينا ، ومَن نطرق أبوابه بإلحاح لنقدم بين يديه وعلى طبق من ذهب ما عندنا ولا يثمنه، من نتذلل له ومن نجبره على التذلل تركيبة عجيبة وأقدار أعجب للبشر تؤكد بوضوح أنّ الدنيا دار قضاء عاجل فمهما ادّعى الإنسان السيادة ومارسها اختيالا أمام أناس سيجد نفسه في الأخير يتصرّف كعبد أمام آخرين ، فلا أحد في الأخير سيد نفسه كما يدل عليه وصف السيادة إلا من عاش بمعزل عن الآخرين ورغب عن كل ما لديهم و داس على رغباته وشهواته  ، أو من استطاع أن يوازن بين تقدير ذاته واحترام الآخرين على حدٍ سواء.



comments

أحدث أقدم