أخر الاخبار

القرآن .. لاتهجروه..




 


#كتابات واراء :


كتب/ صبري يسلم صويلح 



     من كمال الاهتمام الذي يجب أن يكون في حيز عنايتك وحرصك تجاه القرآن، هو ان تستمع له وتُسمِّع به. فيتلى عليك تارة، وتتلوه لغيرك تارة اخرى .. وهذه الحالة من أعظم ركائز الحفظ الذي تولاه الله لكتابه، واقسم انه هو حافظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .. وحينما نعرف ان التدوين للقرآن كان لاحقا، وأنه جاء بعد ان استقر القرأن في صدور الصحابة استقرارا كاستقرار الجبال، ليؤكد هذا على ان مجرد الرسم القرآني في المصاحف، ليس هو الطريقة الامكن والاسلم لحفظ كتاب الله، وان كانت من الضرورة بمكان. ولكن إنما هي طريقة لاحقه تنبهَ لها عمر بن الخطاب، ووافقه عليها أبوبكر الصديق رضي الله عنهما جميعا، وحصل الاستئناس من الصحابة الذين كانوا من اهل الحل والعقد عندما خافوا من موت الصدور المكنون بين ضلوعها وفي حناياها القرآن ..


      وتأتي الإجازات التي يجيزها شيوخ القراءات والقرّاءِ لتلامذتهم، لتثبت وتوكد وترسخ ان الدعامة المطلقة لحفظ القرآن الكريم انما هي عبر التلقين والمشافهه .. فانت بالإجازة التي مُنحتها اكتمل عندك الحفظ والتسميع للقرآن من فَي شيخك الذي تلقاءه من فَي شيخه من فَي شيخه وصولا إلى سماعه غض طري من فَي رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهذا هو الحفظ الذي سلم بواسطته ان يحرف من القرآن، شاردة من لحن، أو تغيير من حركة واحده. فضلا عن أن تحرف آية أو بعض آية.. 


     وعلى ان التدوين بشكل عام قد وصل اليوم الى اعلى درجات الجودة والمهنية وتعددت طرقه على عدة اشكال ومجالات. فهناك التدوين الورقي. وهذا بدوره قد بلغ به الحال الى مستويات عالية من جودة الورق والطابعات والاقلام والخطوط والألوان. وهناك التدوين الصوتي المسموع منه والمرئي. وهناك التدوين الإلكتروني، وهو كذلك بدوره بلغ مستويات عالية من الجودة في العرض والدقة والتداول. فكان من أروع وأعظم وأشرف ما عكس نفسه هذا التطور على القرآن الكريم. فوجد القرآن من هذه الإنجازات التدوينية مجتمعة، مكانة عالية لحفظه والعناية به. ولا نكران على ما اضافته هذه الإنجازات لكتاب الله. فما هي في الاصل الا منح من عند الله مكنها الله للخلق لتخدم بعضهم بعضا. ومنها ماهو في خدمة القرآن الكريم .. ولكن يضل كل هذا التطور في مجال التدوين، ليس هو المعول عليه والمقدم في حفظ القرآن الذي تعهده الله لكتابه عن مسألة المشافهة والتلاوة والتسميع. فهذه الأخيرة هي راس الامر في حفظ كتاب الله، وعليها الاعتماد والمأخذ وعليها ان يحث الشباب والنشئ . ولا يرفع القرآن حين يرفع من الصحف والمصاحف الا حينما يكون قد رفع من الصدور. فهي موضع القرآن الحقيقي. وهو الذي خُلقت الصدور لأجله وليؤدي فيها وظيفته . فلا تُبْيَض المصاحف من ما فيها من قرآن، والصدور ملئ به.. وفي المقابل؛ لا تحتفظ المصاحف برسمها، والصدور قد افرغت وخوت منه .. 


     وكون الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مرة طلب ان يسمع القرآن من احد الصحابه، فيقول له الصحابي: أأقراء وعليك انزل؟ قال: اني احب ان اسمعه من غيري. لَيَعطي دليل ان الرسول حب ان يرسخ فهما للصحابة ان السماع آكد في الحفظ والتثبت في آيات الله. بل وفي فهم وتدبر معاني الآيات، وفي إخضاع الجوارح لتلين بسماع القرآن. وهذا درس عملي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي الذي قراء عليه. حتى ان الرسول اراه من نفسه دموعه كيف هي تنهال فتخضب بها لحيته من اثر السماع. ليخبره بطريقة او باخرى، ان استمع القرآن من غيرك ليحصل لك التباكي والخضوع.. فان لم تبكوا فتباكوا . فأن لم تبكوا وانتم تسمعون من انفسكم القرآن، فاجعلوا من غيركم - من هو اقدر على القراءة الخاشعة - ان يسمعكم القرآن.. 


      واذا كان رمضان هو شهر القرآن ومدارسته، وشرعت فيه صلاة التراويح جماعة، فهذا هو قصد كبير من مقاصد الشهر ومن صلاة التراويح والقيام والتهجي. فإنما هو التأصيل لما قلناه ولمسألة التسميع والمشافهة والخضوع والتعظيم والحفظ للقرآن..وحالنا في هذا وكأنما نحاكي نبينا حينما يدارسه جبريل القرآن في رمضان ..


     وها قد بَلّغَنا الله العشر الاواخر من رمضان وفيها تأتي صلاة القيام. لتجدنا احوج بالتباكي بالقرآن، لتلين منا القلوب من غلظتها وقسوتها ودرنها. فان لم يكفيها ما مضى من رمضان. فالامر في العشر لعله متاحا وارجاء. فابحثوا عنمن يرقق بتلاوة القرآن قلوبكم ويخالط وجدانياتكم. فيا من عزمتم على القيام والاعتكاف لاتجعلوا قيامكم قياما مجرد من اكمل غاياته..



comments

أحدث أقدم