أخر الاخبار

( التحيات ) الرحلة الروحية






تاربة_اليوم / كتابات واراء :

كتب / #مرعي_حميد

الخميس 28 يوليو 2022

 

  في كل صلاة بركوع و سجود يُردد المُسلم التحيات مرة أو مرتين .. فما معناها وما معنى كلماتها و بالتالي ما هو الجوهر من المعنى والمضمون الذي يجعلها بهذه المكانة ...؟؟ ..

      إنه من الأهمية بمكان أن يُدرك المسلم والمُسلمة معاني التحيات حتى يمنحها حقها من الاستشعار لمعانيها و يعيش مضامينها في كل مرة يُرددها ...

      إنّ التحيات جولة روحية إيمانية في الوجود ما أروع أن يحضرها ويعيشها المؤمن كما المؤمنة في كل مرة يُرددها ... و التحيات مع الصلاة الإبراهيمية تشكلان بناء نظري متين للإطار المعنوي للهوية الإيمانية والانتماء الإيماني ، ولقد اختيرت كل كلمة من كلماتهما بعناية فائقة لتُعبّر عن المضمون الإيماني والروحي العظيم ، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يُعلمها صحابته كما يُعلمهم السورة من القرآن كما ورد في الحديث  ....

    وهذا شرح وتبسيط لمعاني كلمات (التحيات) مع الصلاة الإبراهيمية التي يلحقها بها في الركعة الأخيرة قبل السلام من كل صلاة كما يُرددها المُسلم عقب التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة وهي أفضل صيغة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم ...

 وهاك معاني كلمات التحيات لتستحضر معناها وتعيشها بروحك و و بوجدانك كُلّما أتيت بها ... 

 ( التحيات لله ) أي أنّ لله الحياة العظيمة الكاملة المُطلقة الفريدة ذات الجلال والقداسة ، الحياة الأزلية السرمدية التي لا سابق لها من عدم أو خلق أو وِلاد فقد كان الله هو كل الوجود من غير ابتدأ وهو الذي أوجد كل الوجود وهو ذي الذات الفريدة و ذي الصفات العظيمة والأفعال المُذهلة الحكيمة .... 

( والصلوات ) أي أنّ كل العطاء والنوال منه وحده سواء كان مباشراً كوهب الولد أو غير مُباشر و هو أن يهديك أحدهم هدية ... والصلاة من الله هي العطاء والنوال  ...

( والطيبات) أي أنّ الله تعالى لايأتي منه ابتداءً للناس إلا كل ما هو حسن في نفسه كما أنّ الله تعالى يستحق من الناس كل ما هو طيّب وفي المقدمة الإيمان به و بكتابه القرآن المجيد وبرسوله محمد الصادق الأمين و طاعته وحده والتقرّب إليه بما يُحب و اجتناب معصيته و الابتعاد عن مخالفة أمره ...

( السلام عليك أيها النبي ) السلام هو الخلو من النقص النسبي ومن الضرر المادي و المعنوي ،الدنيوي والأخروي ، الكثير والقليل ،ومن كل ما يعيب و يُستكره من الخالق والملائكة والأسوياء من الناس، والمُصلي هنا ،كما المُصلية ، يسأل الله تعالى ذلك للنبي محمد بن عبدالله بن عبدالمُطلب الهاشمي القُرشي العربي خاتم الأنبياء والمُرسلين من الله تعالى للناس ...

( ورحمة الله ) و يثني بسؤال الله رحمته للنبي ، ورحمة الله تحمل معنى شامل لا حدود له لا مكانية ولا زمانية ولا كميّة ولا نوعية بل كل رحمة لله في الحاضر والمستقبل ، في الدنيا وفي الآخرة ، رحمة الله المادية ورحمة الله المعنوية ، رحمة الله العامة ورحمة الله الخاصة ... 

( وبركاته ) ثم يسأل للنبي من الله عز وجل بركاته ، وبركة الله استمرار فضله وعطاءه و دوامهما و زيادة فضله وزيادة عطاءه ...

( السلام علينا ) ثم وبعد هذا السؤال من الله تعالى للنبي يسأل قريباً منه لنفسه ومن يُخالط من أهل الإسلام ...

( وعلى عباد الله الصالحين )

     و يسأل الله تعالى السلام لجميع عباد الله الصالحين وفي مقدمتهم الأنبياء كافة والملائكة ويشمل هذا السلام الكُلي على عباد الله الصالحين الأحياء والأموات بل وعلى من لم يخلقهم الله تعالى بعد ، وهو سلام في الحاضر وسلام في المُستقبل ،في الدُنيا وفي الآخرة ،إنه دُعاء يستغرق كل الأزمنة وكل الأمكنة ، ومن هذا السلام المرجو وفي مقدمته السلام من الذنوب والآثام والمعاصي والسلام من الخسارة في الدنيا والخُسران العظيم في الآخرة الذي يعني فوت الجنة ودخول النار دار العُصاة والفُجار ومنهم من يبقى فيها خالداً لا يموت ولا يحيا بل في عذاب الموت أهون منه و الحياة معه هلاك مُقيم مستمر متواصل . و من دُعاء الرسول يوم القيامة وهو يُشاهد الناس يمرون من فوق الصراط على متن جهنم فناج و مخدوش ومُكردس : ( اللهم سلّم سلّم )...

( أشهد أن لا إله إلا الله )

أي أقر واعترف و أؤكد على حقيقة كبرى ماثلة في الوجود أنه لا إله أؤمن به إلا الله وبالتالي لا إله أعبده إلا الله وحده الذي لا أؤمن لغيره بالألوهية .... والألوهية العبادة الخالصة المُتقنة ...

( وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ) أي أقر وأعترف وأؤكد إيماني بأنّ محمد ابن عبدالله هو عبد مخلوق وأنه الرسول الذي أرسله الله إليه وإلى كل الناس منذ بعثته وحتى قيام الساعة وهو الرسول الواجب الإتباع بما جاء به وبما أمر و بما نهى ...

الصلاة الإبراهيمية : 

( اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد ) .. الصلاة من الله تعالى العطاء والنوال ، والمسلم هنا يسأل الله تعالى العطاء للرسول و لآل الرسول وهم أهل بيته من الرجال ومن النساء وكلهم آمن به واتّبع النور الذي جاء به من ربه عز وجل و اجتهد في عبادة الله وطاعة رسوله .

( كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم )

     وهنا ليس مقام مقارنة ولا مُكاثرة ولكن مقام مجانسة أي اللهم صلي على محمد مثلما صليت على إبراهيم ، أي أعطه و أنله من الخير والفضل والمكانة عندك مثلما كان منك العطاء و النوال والفضل والمكانة لابراهيم الذي اتخذه الله خليلاً ....و أعط آل النبي وأنلهم كما أعطيت وأنلت آل إبراهيم .. والآل هم الأهل المؤمنون والذُرية المؤمنة القائمون بمقتضيات الإيمان من المحبة والإخلاص والتوكل والطاعة والعمل الصالح ...ومن آل إبراهيم زوجتيه سارة و هاجر و ابنيه اسماعيل و إسحاق ثم يعقوب( إسرائيل) بن اسحاق و أبناءه و بناته و أبناء اسماعيل وبناته عليهم السلام ، ومن آل النبي محمد أبناءه الذين ماتوا وهم صغار السِن  وبناته  وزوجاته أمهات المؤمنين و أبناء وبنات بناته من أهل الإيمان والتقوى والعمل الصالح ....

( و بارك على محمد وعلى آل محمد ) وسؤال يلحق أصل العطاء والنوال بأن يبارك الله تعالى في ما أعطى و أنال أي أن يجعل ذلك دائماً مُستمراً مُتزايداً ...

( كما باركت على ابراهيم وعلى آل إبراهيم )

أي كما جعلت عطاءك ونوالك لإبراهيم و آله دائماً مستمراً اجعل ياربنا عطاءك ونوالك لمحمد و آله مستمراً دائماً متصلاً ...

( إنك حميد ) إقرار لله بأنه حميد واستحضار لصفة الله الحميد ، والحميد هو الذي يريد الخير لنفسه ولسواه ما لم يستحق عقاباً عدلاً ...والحميد في حق الله أنه يريد الخير للناس كل الناس و لأهل الإيمان خاصة ومن الناس من يُقبل ومنهم من يرفض ويأبى يُعرض ...

( مجيد ) مجيد في حق الله عز وجل أي ذي المجد العالي الذي لا يُدانى وذي المكانة العظمى التي لا تضاهى دائماً وأبداً و أزلاً وسرمدا .... 

    هذه ( التحيات)   رحلة مُمتدة و تطوافة هائلة شاسعة تبدأ من عند الخالق ومن قديم زمان البشرية على الأرض لتصل إلى الناس مروراً بخيار الناس أنبياء الله عز وجل وذرياتهم ....ووصولاً إلى الدار الآخرة التي لا تفنى ولا تزول ...



comments

أحدث أقدم