أخر الاخبار

محاولة لاغتيال فكرة!






( تاربة_اليوم ) - كتابات واراء :

كتب / صادق عمر


غروبا كان . قال صاحبي : "بعد المكلا شاق" . وانفلت يدندن بأغنية لأم كلثوم لحنها بليغ حمدي في سبعينات القرن الماضي . لم أتمالك شعوري لسببين : صوته الذي يشبه وجوه المسؤولين واستكراهي لجمعه بين لحن بليغ الرقراق الساهم وما تبادر لذهني تلك اللحظة من انطباع عن شوارع المدينة . 

قلت : حسبك . فتوقف قليلا ليلتقط أنفاسه حتى يشرع في الكوبليه الثاني فباغته بقولي : لإن الجو رائق تحس بوهج رقيق يدعو للحلم . انتظر حتى الليل وغن في فراشك على وتريات الحاس والقرف .

ندّت منه ضحكة مقتضبة ثم أضاف:

لاتعكر صفو اللحظة . 

قلت أي صفو هذا الذي لايدوم سوى مدة كوب الشاي؟ 

لم يحر جواباً وأخذ ككل أحد في هذا البلد يجاري الحياة مثلما هي ببؤسها وجسارتها على التنغيص. 

قلت: أنت منتهٍ . 

قال: مثل كل الناس . 

قلت لايغفر لك تبريرك هذا وأنت مهندس في أواخر البكالوريا .

لماذا تدرس إذن ؟ 

- انظر . لا طاقة لي ولامزاج للأخذ معك . 

- بديع . الجميع يفكر بالطريقة التي تفكر بها . انتبه يا صديقي . . كم طالبا في دفعتك ؟ 

قال مئات . 

- عظيم ، كم أخرين في كليات الآداب والطب ؟ 

قال مئات مثلهم 

- والمعاهد؟ 

قال ماذا تريد ؟ 

قلت ماذا تريدون أنتم بالدراسة كل هذه السنوات من الكدح والشقاء ؟ 

هل تنظرون إلى مستقبل أفضل ؟ 

قال نعم . 

- قلت ألم تعلم أن فلان اشترى شهادة ب٢٠٠ ألف وهو لا يعرف المبتدأ من الخبر؟ 

قال هذه بلاد خاربة . 

قلت لم إذن بعدها شاق .

انتبه يا صديقي . إذا لم تغيروا أنتم خارطة المرحلة الراهنة فلن يغيرها أحد . 

قال ماذا تقصد ؟

قلت هل قرأت عن ثورات الطلبة ؟ 

قال أقمنا اعتصامات واحتجاجات ووقفات .

قلت وتاءات مربوطة ثم ماذا ؟

قال : بضع ساعات في الشمس وعاد كل أحد الى سكنه .

قلت وكانت الكهرباء مقطوعة .

طبعا . 

لوحت نحو البحر بملزمته التي كانت في يدي 

قلت صدقني إن لم تتنبهوا لحل جذري للمآسي التي تحدث الآن فلم يمحوها أحد وسنظل ندور في ذات الدائرة المفرغة .

وستكمل البكالوريا وستعود الى حيث تنتمي وستعلقها على الحائط لتعيش عمرا مع الغبار . 

قال : هذا حظنا . 

فاحتللت هذه المساحة بوابل من السخرية ممن يدعون إلى التسليم بقضاء الله وقدره من أصحاب المنابر والرباطات أو ممن يدعون إلى الزهد . 

قال ولكن هذا حق . 

انقطع حديثنا لموجة هائلة ذعر منها أطفال عند السِيف .

أكملت :

قلت لماذا لانخرج من قدر الله الى قدر الله . 

أخذت ملامحه تطرح سؤالا . 

قلت الانسان يصنع واقعه . وبتفكير تؤمن به ، ما أدرى الانسان أن مايعيشه من ذل وقهر قدر من أقدار الله؟ 

وهل الله يرضى لعباده الذل والحرمان والفاقة والجوع؟ 

قال لا . 

قلت : لا . هذه أفهمها نعم . وأفهم من الرضى والتسليم الخذلان والخنوع في هذا اللحظة التاريخية من زماننا .

قال لإننا نستحق . وكما تكونوا يولَّ عليكم .

قلت : أكنا بهذه الدونية والضعة واليأس وقلة الحياء والظلم وموت الضمائر كما نرى فيمن هم ولاتنا ؟ 

ومن نصَّبهم ولاة علينا ؟ 

وإن كنا لا نرى أنفسنا سوى نفايات وقليلي خير مابال من نعرفهم بالتقوى والصلاح والبر منا ممن يعلمون بلا أجر وممن يتطوعون؟ 

قال ما كان يقال : السيئة تعم والحسنة تخص . 

قلت فما ذنب الشيوخ الذي يفترشون الكراتين في المطاريق وأنت تعرف ذلك . وما ذنب الأطفال الذي لايعرفون من الدنيا والأخرة شيئاً؟ وماذنب المرضى والمأزومين . . .  أتريد أن تقنعني؟ 

ماذا تريد أن نفعل؟ قال في اهتمام بعد أن أقبل علي بعقله وجوارحه:

قلت بعد تفكير طويل :

هذا ما يجب عليكم أن تفعلوه .



comments

أحدث أقدم