أخر الاخبار

#كان_دلعاً !




 


كتب / صالح غالب الحامد

كان يحترمني كثيراً ويعز عليه كل ذي صلة بي ،كان يمتلك العديد من الصفات التي أحبها ولم أجدها مجتمعة في غيره على الإطلاق ، كان يعظم مشكلاتي التي أختلقها معه فيعطيها كل الإهتمام والذل الذي كنت أتلذذ به حتى أدمنته .

 في صباح الثلاثاء من شهر نوفمبر بفصل الخريف الجميل التقيت به على ممر مبنى المستوصف الطبي محدقاً إلي منتظراً مجيئي إليه فذهبت بعيني بعيدا عنه متجاوزة إياه ، وقد كان حينها يترقب الفرصة لشرح ما قد تعقد عليه شرحه مساءً برسائله الإلكترونية ، تبعني حيثما أوقّع على ورقة حضوري عند مكتب الاستقبال وعلى مرأى الحضور كان يحاول التفاتي له و تهدئتي إلا أنني أحرجته بالتهميش والكلمات السخيفة بصوت مرتفع لم يكن يحبذه على الإطلاق .

اضطر أن يوسّط صديقتي المقربة فحاولت هي الأخرى لتدارك الموقف دون جدوى وانتهى بذهابي إلى جهتي ، إلا أنه  لم يتوقف عن التودد كعادته و كلما ازداد إصرارا ازددت عناداً ، فانهلّ علي برسائله ظهراً يقابلها تهميشاً آخر وتوالت طيات الرسائل منه بلا ملل مستعينا بصديقتي لعلها تجد الحل ، حتى قصمت ظهره بالحظر رغم تفاهة السبب كان رد فعلي قاسياً ، لكنني أتذكر عدم ترددي فيه .

حاول و حاول بشتى الطرق دون أن تجد المحاولات الهدف ، تفاجأت بعد أسبوع ، باستقالته عن العمل ، ارتبكت قليلاً ولكن لم أهتم ، طال غيابه عني الذي لم أعتده وأخذت الوحشة تزداد بقلبي شيئاً فشيئاً ، والأيام تجري سريعاً حتى أخذت ذات يوم هاتفي وفتحت المحادثة ، فقرأت كل ما قد أرسله من تبريرات مقنعة لمشكلة ليست لها أصل إلا في تفكيري .

بعد شهر و على حين غرة صادفته على الشارع ، تلك أجمل صدفة وفرصة أعطتني إياها الحياة بعد صدفة وجوده في حياتي طبعاً ، كان يمشي بكبريائه كعادته وكنت أمشي على استحياء ، ميّزني من بعيد فارتبك كثيراً وارتبكت منه أكثر ، تجاوزته بخجل لكنني بعد خطوات توقّفت والتفتُّ إليه فإذا به واقفاً ، رجلاه لم تتحركا طأطأ رأسه للأرض دقائقاً وما لبث حتى تحركت قدماه بتثاقل ، نعم قد بدأ يبتعد عني بعزته وقوة كبريائه ينتزع قدميه عن الأرض مقطعاً حبال شوقه وتعلقه التي قيدته بها منذ زمن حتى عاد يمشي مثلما قبل ، وأنا على قارعة الطريق أراقبه تحسراً مخبرة إياه بوجع قلبي وشوقي إليه أن يمنحني فرصة فأحضنه وأضع رأسي على صدره وأبلل ثوبه ببكائي فأشكوه ما قد حلّ بي في غيابه ، حتى أذعرني فجأة بوق سيارة كادت أن تقطع عني أنفاسي وتحرمني زهرة شبابي، فابتعدت وذهبت لوجهتي في حالة التخبط والبؤس واليأس الشديد ناظرة للأرض أجر خيباتي .

في وسط غرفتي فكرت كثيراً ، فخطر ببالي رفع الحظر إلا أن تعنتي وترددي قد حضرا مرة أخرى ، فأغلقت الهاتف ومرت الأيام على نفس الحال والوحشة تخنقني والشوق قد بلغ منتهاه ، فكنت أرجو الوصال مهما كلفني الأمر من كرامتي المزيفة .

 أخيراً قررت رفع الحظر وإرسال بعض الرسائل لعلها تأتي بشيء ، ولكن لم أقابل بها أية استجابة ، انتظرت ساعات حتى خطر ببالي اتصال صوتي فأخذت الهاتف متلهفة وقلبي يخفق بعنف ويداي ترتعش منتظرة سماع صوته ، إلا أن رقمه لم يكن تحت الخدمة !

بحثت عن أحد يدلني عليه فأخبروني أنه قد سافر منذ أيام و قد غيّر رقم هاتفه ، فحاولت بشتى الطرق دون لفت انتباه أحد لأتمكن من الوصول إليه ولكن باتت دون جدوى .

استسلمتُ للواقع ومشيئة الأقدار وما هي إلا أشهر ، حتى علمت من صديقتي خبراً سقط علي بعنف كصاعقة ، أنه قرر البقاء لسنوات هناك وقد لقي فرصة عمل تروق له ، و قد أخذ ابنة عمه التي قد تزوجها منذ أيام ليعلن استقراره هناك .

نعم هنا قد انتهى كل شيء ، هو شق طريقه وهو سعيد بحياته ، إذ كوّن أسرة  و قد تناسى الماضي ونسيني سريعاً ، هنا ذهب كل أمل لدي ولم يبق معي غير الحسرات أجرها معي ذهاباً و إياباً كل يوم و الحزن قد ابتلعني والظلمة تسكن مسكني وكل شيء ظاهر على وجهي بوضوح ، تذهب الأيام والسنين والزمن يأخذ شبابي وأنا أشيخ بسرعة أسبق عمري ، فلم استطع الخروج من دائرته ولم أستطع الإرتباط بغيره ، ذكراه عالقة في ذهني تعذبني طيلة ساعاتي حتى بوقت نومي أراه ، فأنا لا أستطيع الإنفكاك من قيوده المحكمة والتي وضعت بنفسي يديّ بها بعد ما كانت ورداً .

شاءت الأقدار وساق لي القضاء ذات يوم فجأة و أنا واضعة رأسي على الطاولة بعيادتي ، إذ سمعت صوت السكرتيرة تنادي باسمي فانتبهت لها ، ثم أكملت اسم أبيها فكانت المفاجأة ! نعم كانت ابنته الكبرى جميلة مثل والدها ، جاءت إلي لأعاينها .

 تساءلتُ هل يقيناً قد سمّاها من أجلي وفاءً لي ، الفتاة أمامي متعجبة من سرحاني الساذج الذي لا يليق بي كطبيبة وهي تسألني ، حتى انتبهت لها وشرعت في أخذ شكواها ، منتهية بالسؤال الذي سيرهقني إن لم أسألها إياه ، فقالت أن والدها أصر على أمها بأن يسميها هذا الاسم  ، فقد كان يزعجها عندما يخطئ كثيراً في مناداتها بالاسم نفسه !

هنا اختنقت ولم أجد للكلام طريق ، والدمع كاد أن يسقط على وجنتيّ لكنني أمسكته بعنادي مرة أخيرة ، صامتة مستغرقة في قعر دوامة التفكير ، حتى تنفست الصعداء وخطر ببالي إخبارها أنه كان زميلي وكيف حاله هو الآن ، فأنا لا زلت أرغب في لقائه ولو على فراش الموت  ، وأنا بهذا العمر لا زلت أفتقد دلعه واهتمامه الذين غمرني بهما، ولا زلت منتظرة فتح الباب الذي لن يفتح أبدا ومفتاحه قد أضعته من قديم الزمن ، فتنحنحت للقول وتوالت علي الطعنة الأخرى وهي في حزن قائلة : قد توفي قبل شهرين ولهذا السبب عدنا إلى البلد .

هنا كانت الصدمة التي لم أكن قادرة على تحملها والخبر الذي خفت سماعه دوماً ، والآن ماذا أفعل ؟ ماذا أقول ؟ هل أعزيها أم أعزي نفسي ؟ هل أبكيها أم أبكي على نفسي ؟ هل أعتذر لها نيابة عنه أم أعتذر لنفسي مقابل ما فعلت بها ؟

ظلمته معترفة برعونتي فأنهاني بكبريائه دون أن يميل عنقه إلي ، حياتي دمرتها بيدي ، مزقتها بإرادتي ، حتماً ضررت نفسي ، نعم لست لوحدي ولكني الأشد ضرراً وعلي أن أعاني من تأنيب الضمير ، أعتذر لصرامتي في ذلك اليوم ولكن ماذا قد يفيد ، ياترى هل كان سيحزنه أمري لو كنت شكوته سابقاً بعده عني؟ هل لا زال قبل موته يحنّ علي ؟ سيبقى ذاك التساؤل يزيد فوق ألمي ألماً وينخر قلبي و جسدي معاً حتى أموت و ألحق به .



9:45 مساء يوم الثلاثاء 23 نوفمبر 2021.



comments

أحدث أقدم