أخر الاخبار

رسائل البحر الحُـب وذاكـرة التخـوّف




 


  تاربة_اليوم / كتابات واراء :

كتب / خالد لحمدي

الخميس 17 نوفمبر 2022


  لم أكد أُكمل مشاهدة فيلم ( رسائل البحر ) للمؤلف والمُخرج داوود عبد السيد حتّى امتلأت بتيّار من الدهشة والانبهار لم يفلتانني حتى اللحظة.  

   عشت خلالهما في لجج من البهجة والتأمل ولم أنفك محاولاً فتح مغاليق تلك الرسائل وفهم أساريرها المُحيّرة المقلقة . 

  حيث تدور أحداث الفيلم حول يحيى ( آسر ياسين ) وهو طبيب شاب تخرّج من كُلّية الطب ، يعاني من التأتأة والصعوبة في النطق ، اللتين جعلاه عرضة للسخّرية والتندّر من قبل زملائه والمحيطين به ، ما جعله يهجر مهنة الطب و يعمل صياداً يبيع ما يصطاده من السمك ويقتات من عائد ذلك المال الذي يأتيه من تلك الأسماك التي يقوم باصطيادها وبيعها . 

  يلتقي خلال ذلك ببعض الصديقات و الأصدقاء الذين يشاركونه تلك الحياة شبه المتناقضة ، إذ يخلق أجواءه وطقوسه الخاصة ، بالانفتاح والتعاطي مع حياته الجديدة بكثير من الانفلات والتحرّر محاولاً كسر قيود الكبت التي  تُكبّله وتعيق خطوه وتقدّمه . 

 ففي اللحظة الأولى لوصوله الإسكندرية بعد تركه بيت العائلة الواقع في القاهرة ، قام بفتح شُبّاك غرفته المطلّة على البحر ، وبدأ كمن ولج إلى عوالم أكثر دفئاً وبهجة .  

  رُبّما صوت الأمواج وارتطامها وتلاشيها على الساحل ، أو تلك الطيور التي تعلو وتهبط في تسابق لالتقاط الأسماك الصغيرة ، أو ثمّة سرٌ رآه في وجوه الصيادين أو في أصواتهم حين يلقون بشباكهم في البحر ، أو ربما هواء البحر ونسائمه قد ألقيا بداخله شيئاً من الأمان والسكينة اللتين وجدهما بعد تألم وشقاء . 

  وإذ بدأ مشوار حياة جديدة تعرّف صدفةً على ( نورا ) التي قامت بأداء دورها المُمثِّلة ( بسمة ) التي تعمل مومس وفتاة ليل ، حين كان يتمشّى في الشارع ليلاً وكان المطر ينهمر بشدّة وغزارة وما إن رأته حتّى دعته للاحتماء تحت مظلّتها التي تقيها من تساقط ذلك المطر، وقد تفاجآ من انقضاء الوقت سريعاً ووصولهما شقّة يحيى ، حينها طلب منها الصعود معه إلى شقّته وللوهلة الأولى بدأت عليه كثير من البراءة والسذاجة ، حين أخبرها بأن في الشقّة غرفة أخرى يمكن أن تنام بداخلها ، ولكن حدث أن أتت إليه لتنام بجواره ، فأخبرها للتو بأنّه لا يملك مالاً يمنحه لها لقاء هذه الليلة التي ستنام في فراشه سوى عشرين جنيهاً واقترح أن تأخذ سمكاً بقيمة ماتبقى من ذلك المبلغ . 

  وقد تطورت علاقة يحيى بنورا كثيراً التي رفضت الزواج منه معلّلة ذلك بأن الكثيرين يعرفون تفاصيل جسدها ما جعلها تقوم بعملية إجهاض كي لا يبقى شيء يربطها بهذا الحب . 

  ثم بدأ بالتعرف على جيرانه الساكنين أسفل شقّته وهنَّ الإيطالية ( كارلا) سامية أسعد ووالدتها ( فرانشيسكا ) نبيهه لطفي ، وقد جسّدت كارلا دور الفتاة السحاقية ذات الشذوذ الجنسي ، وقد ارتبطا بعلاقة جوار حين كان يحيى طفلاً صغيراً رفقة أسرته . 

  وفي أثناء دخول يحيى أحد الملاهي الليلية تعرّف بالبودي غارد ، قابيل الذي قام بدوره المُمثّل محمد لطفي والذي ذهب به بعد أن ثمل وأغمى عليه إلى غرفة سطحيّة في بيته . 

  كذلك الحج هاشم  الذي قام بدوره الممثل صلاح عبدالله وهو مالك العمارة الجديد التي تقع فيه شقّة يحيى وجارتيه فرانشيسكا وإبنتها كارلا والذي يسعى لإرضاء ساكنيها بإخلائها كي يقوم بهدمها وبناء مكانها مركزا تجارياً . 

  من أجمل لقطات الفيلم التي استوقفتني هو عثور يحيى على رسالة داخل زجاجة ملقاة وسط البحر والتي لم يستطع التعرّف على اللغة التي كُتِبت بها أحرف هذه الرسالة ما جعله يستعين ببعض الأجانب المقيمين في الإسكندرية كي يساعدوه في فك تلك الأحرف المُبهمة التي لم يستطع أحد فهمها ، قد رُبما تكون رسالة بحّار عابر أو قصيدة شاعر مهداة لحبيبته أو وصية شخص لإنسان ما ، كذلك خوف قابيل من إجراء عملية في الدماغ وهروبه من غرفة عمليات المستشفى خوفاً من أن يفقد ذاكرته وينسَ كل شيء . 

  وفي مشهد أكثر روعة إذ أُلقي القبض على يحيى الذي وقف يرقص ويصرخ بصوت عالٍ عند سماعه لموسيقى منبعثة من نافذة غرفة مضاءة ، والتي اعتاد سماعها كل ليلة دون أن يشاهد وجه العازف الذي يعزف تلك الموسيقى الساحرة . 

  أخيراً . يعد هذا الفيلم من الأفلام الرائعة جداً ، بحكايته التي يرفض بعضها مجتمعنا ، بينما تظل حقيقة لا يستطيع دحضها أو نكرانها أحد . 

  وقد أبدع مُمثّلوه في أداء أدوارهم ، وكل من ساهم واشترك في صناعة هذا العمل المختلف والمغاير الذي أخبرنا بجرأة وتحرّر عن زمن الاضطراب والقلق والخوف من المتغيّرات التي تكاد تعصف بأرواحنا ، في حين لا تزال ذواتنا تكبت بخجل كثيرًا من الأشياء .



comments

أحدث أقدم